الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
322
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ولأنها يشربونها لقصد التقوى لقلة هذا القصد من شربها . وفي سفر اللاويين من التوراة « وكلم اللّه هارون قائلا : خمرا ومسكرا لا تشرب أنت وبنوك معك عند دخولكم إلى خيمة الاجتماع لكي لا تموتوا . فرضا دهريا في أجيالكم وللتمييز بين المقدس والمحلّل وبين النجس والطاهر » . وشيوع شرب الخمر في الجاهلية معلوم لمن علم أدبهم وتاريخهم فقد كانت الخمر قوام أود حياتهم ، وقصارى لذّاتهم ومسرة زمانهم وملهى أوقاتهم ، قال طرفة : ولولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى * وجدك لم أحفل متى قام عوّدي فمنهن سبقي العاذلات بشربة * كميت متى ما تعل بالماء تزبد وعن أنس بن مالك : « حرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها ، وما حرم عليهم شيء أشد عليهم من الخمر » . فلا جرم أن جاء الإسلام في تحريمها بطريقة التدريج فأقر حقبة إباحة شربها وحسبكم في هذا الامتنان بذلك في قوله تعالى : وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [ النحل : 67 ] على تفسير من فسر السّكر بالخمر . وقيل السّكر : هو النبيذ غير المسكر ، والأظهر التفسير الأول . وآية سورة النحل نزلت بمكة ، واتفق أهل الأثر على أن تحريم الخمر وقع في المدينة بعد غزوة الأحزاب بأيام ، أي في آخر سنة أربع أو سنة خمس على الخلاف في عام غزوة الأحزاب . والصحيح الأول ، فقد امتن اللّه على الناس بأن اتخذوا سكرا من الثمرات التي خلقها لهم ، ثم إن اللّه لم يهمل رحمته بالناس حتى في حملهم على مصالحهم فجاءهم في ذلك بالتدريج ، فقيل : إن آية سورة البقرة هذه هي أول آية آذنت بما في الخمر من علة التحريم ، وأن سبب نزولها ما تقدم ، فيكون وصفها بما فيها من الإثم والمنفعة تنبيها لهم ، إذ كانوا لا يذكرون إلّا محاسنها فيكون تهيئة لهم إلى ما سيرد من التحريم ، قال البغوي : إنه لما نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه تقدّم في تحريم الخمر » أي ابتدأ يهيئ تحريمها يقال : تقدمت إليك في كذا أي عرضت عليك ، وفي « تفسير ابن كثير » : أنها ممهدة لتحريم الخمر على البتات ولم تكن مصرحة بل معرضة أي معرضة بالكف عن شربها تنزها . وجمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت قبل آية سورة النساء وقبل آية سورة المائدة ، وهذا رأي عمر بن الخطاب كما روى أبو داود ، وروى أيضا عن ابن عباس أنّه رأى أن آية المائدة نسخت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [ النساء : 43 ] ، ونسخت آية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ، ونسب لابن عمر والشعبي